مجمع البحوث الاسلامية
560
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بذلك وقتا فوقتا حتّى يدخلوا الجنّة . وقد نطق الكتاب العزيز في غير موضع بهذه البشرى من اللّه تعالى علينا ، بها برحمته وكرمه لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا تغيير لأقواله الّتي من جملتها مواعيده الواردة بشارة للمؤمنين المتّقين ، فيدخل فيها البشارات الواردة هاهنا دخولا أوّليّا ، ويثبت امتناع الخلاف فيها لطفا وكرما ثبوتا قطعيّا . وأريد من عدم تبديل كلماته سبحانه ، على تقدير أن يراد من البشرى : الرّؤيا الصّالحة ، عدم الخلف بينها وبين ما دلّ على ثبوتها ووقوعها - فيما سيأتي - بطريق الوعد ، من قوله تبارك اسمه : لَهُمُ الْبُشْرى لا عدم الخلف بينها وبين نتائجها الدّنيويّة والأخرويّة . ولم يظهر لي وجهه بعد التّدبّر ، والمشهور أنّ « الرّؤيا الصّالحة » لا يتخلّف ما تدلّ عليه ، وقد جاء من حديث الحكيم التّرمذيّ وغيره ، عن عبادة رضي اللّه تعالى عنه أنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم قال له : في الرّؤيا الصّالحة كلام يكلّم به ربّك عبده في المنام . ( 11 : 152 ) رشيد رضا : البشرى : الخبر السّارّ الّذي تنبسط به بشرة الوجه فيتهلّل ، وتبرق أساريره . وهذه البشرى مبيّنة في مواضع من كتاب اللّه تعالى ، وقد يراد بها متعلّقها الّذي يبشّرون به ، ولم يذكر هنا ليشمل كلّ ما بشّروا به في كتاب اللّه تعالى ، وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . فأمّا الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فأهمّها البشارة بالنّصر ، وبحسن العاقبة في كلّ أمر ، وباستخلافهم في الأرض ، ما أقاموا شرع اللّه وسننه ، ونصروا دينه ، وأعلوا كلمته . وأمّا فِي الْآخِرَةِ فمن أكملها وأجمعها لمعاني الآية لأكملهم قوله : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ فصّلت : 30 - 32 . المشهور في تنزّل الملائكة عليهم أنّه يكون عند البعث ، وكذا عند الموت ، ولا مانع من شموله لما في الدّنيا من تثبيت قلوبهم ، وتقوية إلهام الحقّ والخير فيهم ، كما قال تعالى في الملائكة الّذين أمدّ بهم أصحاب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة بدر وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ الأنفال : 10 . ( 11 : 417 ) الطّباطبائيّ : يبشّرهم اللّه تعالى بشارة إجماليّة ، بما تقرّ به أعينهم . فإن كان قوله : لَهُمُ الْبُشْرى إنشاء للبشارة ، كان معناه وقوع ما بشّر به في الدّنيا وفي الآخرة كلتيهما ، وإن كان إخبارا بأنّ اللّه سيبشّرهم بشرى ، كانت البشارة واقعة في الدّنيا وفي الآخرة . وأمّا المبشّر به فهل يقع في الآخرة فقط أو في الدّنيا والآخرة معا ؟ الآية ساكتة عن ذلك . وقد وقع في كلامه تعالى بشارات للمؤمنين بما ينطبق على أوليائه تعالى ، كقوله تعالى : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ الرّوم : 47 ، وقوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ المؤمن : 51 ، وقوله : بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ